عبد الملك الجويني

15

الشامل في أصول الدين

شرط ثبوتها تقدم الأسباب ، ولكن اطردت العادة بذلك ، اطرادها في سائر الأسباب . والنظر عند هذا القائل مقدور مكتسب . وأما العلوم الضرورية فقد اختلفت الحكماء في تجويز وقوعها استدلالية نظرية . فذهب بعضهم إلى أن الاستدلال في جميعها مستحيل ، ولا يجوز وقوعها مقدورة ، وهي خارجة عن قبيل مقدورات البشر كالطعوم والأراييح والألوان ونحوها . وذهب آخرون إلى تجويز وقوع جميعها مقدورة نظرية . وصار آخرون إلى أن كل علم كان من شرط كمال العقل ، فلا يسوغ تقديره نظريا ، إذ من شرط افتتاح النظر كمال العقل ، فلم يتحقق إنشاء النظر ممن لم يعقل . وهذا القائل يجوّز وقوع العلوم التي هي من العقل مكتسبا مقدورا ، وإن منع كونه نظريا ، وسنستقصي الكلام في أحكام العلوم في مفتتح الصفات إن شاء اللّه . ولكن غرضنا الآن ذكر مسألة متعلقة بالنظر ، وهو أن العلم المقدور المستدل عليه المطلوب بالأدلة لا يجوّز ثبوته تقدير وقوعه مقدورا مكتسبا من غير تقدير نظر . هذا ما ارتضاه القاضي ومعظم المتكلمين . وذهب الأستاذ أبو إسحاق « 1 » إلى أن العلم المقدور المستدل عليه يجوز ثبوته مقدورا من غير تقدم نظر واستدلال واستدل على ما قال : بأن العلم يجوز ثبوت ذاته من غير تقدم نظر . وعنى بذلك جواز ثبوته ضرورة . فإذا جاز تقدير ثبوت العلم من غير نظر ، فلا مانع من تجويز تقدير القدرة على العلم من غير تقدم نظر . واستدل أيضا على ما قال : بأن العلم لا يقع إلا بعد النظر . فلو كان المؤثر فيه النظر لما اختص ثبوته بحالة عدم النظر . فإذا جاز ثبوته بعد انقضاء النظر ، جاز ثبوته أولا من غير نظر ، إذ المقتضي كالذي لم يوجد أصلا . والدليل على تحقيق ما ارتضاه القاضي أن نقسم الكلام أولا فنقول : هل يتضمن النظر العلم لزوما ووجوبا ، أم لا يتضمن ذلك في حكم العقل ، وإنما يعقبه العلم إيجادا . فإن زعم الأستاذ أن النظر لا يتضمن العلم ولا يقتضيه عقلا ، وهو أرفع قدرا من أن يقول ذلك ، ولكن دأب النظار استيفاء الأقسام في الكلام . والمصير إلى هذا القسم باطل ، فإنا نعلم أن الإحاطة بوجه الدليل تضاد الجهل بالمدلول ، ويستحيل تقدير العلم بثبوت

--> ( 1 ) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأسفرايني ( . . . - 418 ه - . . . - 1027 م ) عالم بالفقه والأصول ، كان يلقب بركن الدين ، نشأ في اسفرايين ، ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له فيها مدرسة عظيمة فدرّس فيها ، ورحل إلى خراسان وبعض أنحاء العراق فاشتهر . له كتاب « الجامع » في أصول الدين وكان ثقة في رواية الحديث ، وله مناظرات مع المعتزلة . مات في نيسابور ودفن في اسفرايين . الأعلام 1 / 61 ، وشذرات الذهب 3 / 209 ، ووفيات الأعيان 1 / 28 .